محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
223
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
علم ، ولقد طرّزت بكلامهما الكتب والدفاتر ، وزهيت بمآثرهما وعلومهما الألسنة والأقلام والصحف والمحابر ، ولولا خشية الملالة ، وكراهة الإطالة لذكرنا من ذلك ما يبهر عقول السامعين والمطالعين ؛ ويرغم آناف الجاحدين والمعاندين . كما قيل : سيكفيك من ذاك المسمى إشارة * ودعه مصونا بالجمال محجّبا من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته ، وجليت إليهم إشارته . المأذون له في التعبير هو الذي يتكلّم للّه وباللّه وفي اللّه ، ولذلك كان كلامه صوابا . قال الجنيد ، رضي اللّه عنه : « الصواب كلّ نطق عن إذن » أشار بهذا - واللّه أعلم - إلى قوله تعالى : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [ النبأ : 38 ] . فإذا قرع أسماع السامعين كلامه فهمت في مسامعهم عبارته ، فلم يفترقوا إلى معاودة ولا تكرار ، وجلّيت إليهم إشارته فلم يحتاجوا معها إلى إطناب ولا إكثار بخلاف غير المأذون له في ذلك . قيل لحمدون بن أحمد بن عمارة القصّار رضي اللّه تعالى عنه : « ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا » ؟ قال : لأنهم تكلّموا لعزّ الإسلام ، ونجاة النفوس ورضا الرحمن ، ونحن نتكلّم لعزّ الأنفس ، وطلب الدنيا وقبول الخلق . ربما بزرت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار . من لم يستكمل الأوصاف المذكورة لم يؤذن له في إظهار شيء من الحقائق الربانية ، فإن أظهرها برزت مكسوفة الأنوار بما غشيها من ظلمة رؤية الأغيار ، فمجّتها « 1 » آذان السامعين ، وأنكرتها قلوبهم . وعلامة استكمال الأوصاف المذكورة أن يفتح له باب التعبير مع وجود السلامة من آفات المنطق . قال في « لطائف المنن » : « إنّ من أجلّ مواهب اللّه لأوليائه وجود العبارة . [ قال ] وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : الوليّ يكون مشحونا بالعلوم والمعارف ، والحقائق لديه مشهودة حتى إذا أعطي العبارة كان كالإذن من اللّه له في الكلام . قال وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : كلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة « 2 » ، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار حتى أن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وتردّ على الآخر .
--> ( 1 ) مجّتها : لفظتها . يقال : مجّه السمع : أي لم يقبله . ( 2 ) الطلاوة : الحسن والبهجة والقبول .